تقارير

“تحليل: دور الصين في تحقيق الاتفاق السعودي الإيراني وآفاق التعاون المستقبلية”

اعداد : تقى احمد

إن العلاقات السعودية الإيرانية تكتسب أهمية كبيرة في منظومة العلاقات الإقليمية نظراً للثقل الذي تمثله الدولتين سياسياً وتاريخياً واقتصادياً وثقافياً، كما أن الدولتين يتمتعان بميزة جيوستراتيجية و اقتصادية كبيرة فكلاهما لديهم موقع حيوي في منطقة تضم أكبر مخزون نفطي في العالم لذلك يسعي كل طرف لتوظيف الأدوات التي يمتلكها لإقصاء الطرف الأخر، فيمكن القول أن الصراع بين الدولتين هو صراعاً عقائدياً على الزعامة الدينية وجيوسياسياً على السيادة الإقليمية، والصراع المستمر بين الدولتين كان له أثر كبير على دول المنطقة خاصة اليمن التي تعتبر مسرح لتنافس الدولتين وغيرها من الدول مثل العراق ولبنان وسوريا التي سعت إيران لخلق أذرع لها فيها تحقيقاً لمآربها، وبعد سنوات من الصراع أدرك الطرفان أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل أزمات المنطقة.

فجاء الاتفاق السعودي الإيراني بعد محادثات جرت في بكين في الفترة ما بين 6 و 10 مارس بين وفدي الجانبين، برئاسة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني ومستشار الأمن الوطني السعودي الوزير مساعد بن محمد العيبان، وبحضور وزير الخارجية الصيني وانغ يي، حيث تم الاتفاق على عدد من البنود الهامة للطرفين وأهم هذه البنود :

  • الموافقة على استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما وإعادة فتح سفارتيهما خلال مدة أقصاها شهرين والتأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
  • اتفقا أن يعقد وزيرا الخارجية في البلدين اجتماعاً لتفعيل ذلك وترتيب تبادل السفراء ومناقشة سبل تعزيز العلاقات بينهما.
  • اتفقا على تفعيل اتفاقية التعاون الأمني بينهما الموقعة في 2001 والاتفاقية العامة للتعاون في مجال الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتقنية والعلوم والثقافة والرياضة والشباب، الموقعة في عام 1998. [1]

ويمكن القول أن هذه البنود تضع حداً للصراع بين الدولتين وبالتالي للأزمات في المنطقة ورغم أنه لم يتم الحديث بشكل صريح عن إيقاف الدعم الذي تقدمه إيران للمليشيات التابعة لها في الدول العربية إلا أن الاتفاق على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشئون الداخلية لها يعني وضع حد للسياسة التدخلية التي تتبعها إيران في المنطقة سواء عن طريق خلق أذرع تابعة لها أو دعم الحركات الانفصالية والطائفية في الدول العربية مما يجعل هذه الدول تعاني من انهيار مؤسساتي كبير وتفقد القدرة على حماية سيادتها وهو ما يلبي رغبة إيران التوسعية، فهذا الاتفاق إذا تم الالتزام به من جانب الطرفين سوف يكون نقطة تحول في العلاقات الإقليمية بين الدول وبداية لتسوية إيران لمشاكلها مع الوطن العربي.

كما جاء هذا الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية حيث جرت المفاوضات في بكين في الفترة ما بين 6 و10 مارس بعد انقطاع للعلاقات دام 7 سنوات ورغم وجود مفاوضات جرت قبل ذلك في العراق وضعت النقاط الأساسية للتقدم نحو العلاقات الدبلوماسية إلا أن الوساطة الصينية كان لها دور كبير في نجاح هذه المفاوضات خاصة أن الصين هي الشريك الاقتصادي الأكبر لكلاً من السعودية وإيران.

 كما جاءت هذه الوساطة الصينية كدليل على التغير في السياسة الخارجية الصينية تجاه الوطن العربي حيث كانت تتبع الصين في التعامل مع دول المنطقة سياسة الاقتراب الحذر أي دون وجود أي التزامات تؤثر على علاقتها مع إسرائيل والغرب أو تحدث لها مشكلة كما تغلب فيها الاعتبارات الاقتصادية على كافة الاعتبارات الأخرى إلا أنها في الوقت الحالي تسعى للعب دور بارز في المسائل السياسية ولا تقدم نفسها كشريك اقتصادي فقط للمنطقة وهذا ما عبر عنه وزير الخارجية الصيني حيث قال “إن الصين ستعمل على بناء شراكات واسعة النطاق والدفع بنوع جديد من العلاقات الدولية”[2] ، فهذا التغير نتيجة لرغبة الصين في توظيف نفوذها في الشرق الأوسط في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية واستغلالاً لتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة.

فالوساطة التي قامت بها الصين بين إيران والسعودية تعد هزة كبيرة لأمريكا ودليل على أن النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط آخذ في التراجع خاصة في ظل فتور العلاقة مع السعودية بعد إعلان تحالف ” أوبك بلس”  تخفيض إنتاج البترول بنحو مليوني برميل يومياً[3]، ورغم ذلك أعلنت الولايات المتحدة أنها ترحب بأي جهود للمساعدة في إنهاء الحرب في اليمن وتخفيف التوترات في منطقة الشرق الأوسط[4]، إلا أنه من الناحية الفعلية لا ترحب الولايات المتحدة بأي تقارب بين إيران ودول الجوار وهذا ظهر في استهدافها المستمر للقواعد العسكرية الإيرانية مما يجبر إيران على الرد من خلال الأذرع التابعة لها وبالتالي رؤية الدول الخليجية للرد الإيراني تهديداً لأمنها مما يجعل من الصعب حدوث أي تقارب بين إيران ودول الجوار.

ومما لا شك فيه أن عودة العلاقات بين السعودية وإيران له انعكاسات كبيرة على قضايا المنطقة و يأتي على رأسها الأزمة اليمنية فالتقارب بين الدولتين يمكنهما من دفع طرفي الأزمة للوصول إلى تسوية للقضية اليمنية ووضع حد للحرب الأهلية اليمنية، فالحوثيين الطرف الأهم في الأزمة اليمنية رأوا أن الاتفاق بين الدولتين ضروري لأن المنطقة بحاجة لعودة العلاقات الطبيعية بين دولها، كما أن هذا الاتفاق قد يضع حداً للنزاع بين إيران والإمارات لأنه وفق بنود الاتفاق يتضح أن إيران سوف تسعى لتسوية كافة مشاكلها في الشرق الأوسط وتغيير سياساتها التدخلية التي تتبعها في الدول العربية كما أن الحوار بين الدولتين قد يدفع إيران لتقليل أو إنهاء وجودها العسكري في كلاً من سوريا و العراق .

بالإضافة إلى أن الأزمة اللبنانية قد يتم تسويتها في ضوء التقارب بين السعودية و إيران وذلك لأن لبنان مقسمة إلى طرفين يدعم كل واحد منها إحدى الدولتين، وحدوث تقارب بينهما قد يدفعهما إلى مساندة لبنان في تشكيل حكومة جديدة وحل مشكلاتها الاقتصادية لأن استمرار هذا الانقسام داخل لبنان قد يدفعها إلى منحنى خطير.

وفي الوقت الذي ترحب فيه الدول العربية بعودة العلاقات بين السعودية وإيران نجد أن النقيض تماماً يحدث في إسرائيل الذي اعتبرت هذا التقارب تهديد كبير لها حيث قال زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد إن “الاتفاق السعودي الإيراني هو فشل تام وخطر لسياسة الحكومة الإسرائيلية الخارجية… إنه انهيار للجدار الدفاعي الإقليمي الذي بدأنا ببنائه ضد إيران”[5]، كما أن هذا التقارب قد يؤثر علي التطبيع السعودي مع إسرائيل لأنه قد يحدث فجوة بين السعودية و إسرائيل على اعتبار أن السعودية أعطت أولوية لعلاقتها مع إيران على حساب علاقتها مع إسرائيل.

سيناريوهات مستقبل العلاقات السعودية الإيرانية:

السيناريو الأول: عودة العلاقات بين البلدين بشكل كامل.

وهذا السيناريو تفاؤلي حيث يفترض أن الاتفاق بين السعودية وإيران سيؤدي إلى عودة العلاقات بين البلدين على كافة الأصعدة وأنه لن يقتصر على عودة العلاقات الدبلوماسية فقط، كما أنه سيكون وسيلة لتسوية كافة الأزمات في الوطن العربي على رأسها الأزمة اليمنية وأيضاً وضع حد للنزاعات في سوريا والعراق ولبنان.

السيناريو الثاني: عودة العلاقات الدبلوماسية فقط بين البلدين.

يعتبر هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً خلال المدى القصير، فالنزاع بين البلدين هو نزاع أيدلوجي في الأساس لذلك يتطلب التعاون الكامل بين البلدين فترة زمنية أطول لكي يتحقق، ولكن يفترض أن تستمر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مع اتخاذ خطوات محدودة نحو حل بعض القضايا مثل الحرب في اليمن التي تؤثر على أمن البلدين، بالإضافة إلى أن إيران سوف تستمر في دعم بعض مليشياتها في الوطن العربي.

السيناريو الثالث: التمثيل الدبلوماسي المحدود.

يفترض هذا السيناريو أن هذا الاتفاق سيفضي إلى تمثيل دبلوماسي محدود بين البلدين وعدم الوصول إلى أي تسوية بشأن أزمات الوطن العربي مع استمرار إيران في تقديم الأذرع التابعة لها لإحداث صراعات في الدول العربية، بالإضافة إلى استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في خلق العداء بين الدولتين لمنع أي فرص للتقارب بينهم.

لذلك يمكن القول أن عودة العلاقات بين السعودية وإيران قد يكون مؤشر على بداية مرحلة التسويات في الشرق الأوسط ووضع حد للأزمات الراهنة إلا أن ذلك مرهون بمدى التزام الطرفان ببنود الاتفاق وأيضاً بمدى قدرة الطرفان على الوقوف في مواجهة الضغوط الأمريكية التي سوف تسعى للتأثير على العلاقة بين البلدين.

المراجع :

  1. نص البيان الثلاثي.. اتفاق عودة العلاقات بين السعودية وإيران، سكاي نيوز عربية ، 10 مارس 2023  https://www.skynewsarabia.com/middle-east/
  2.    وزير الخارجية: الصين تدفع بناء نوع جديد من العلاقات الدولية”، وكالة شينخوا، تاريخ النشر : 7مارس 2023  https://bit.ly/3LfgAd  
  3.  محمد المنشاوي ،الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية.. صفعة ثلاثية الأبعاد لواشنطن، الجزيرة نت ، 11 مارس 2023  https://1-a1072.azureedge.net/politics/   
  4. بعد الاتفاق على استئناف العلاقات.. أول تعليق لوزيري خارجية السعودية وإيران، الجزيرة نت ، 10 مارس 2023 https://1-a1072.azureedge.net/news
  5. الاتفاق السعودي الإيراني يزيد من تعقيد سعي إسرائيل لتطبيع العلاقات مع العرب، فرانس24 ، 11 مارس 2023.

[1] نص البيان الثلاثي.. اتفاق عودة العلاقات بين السعودية وإيران، سكاي نيوز عربية ، 10 مارس 2023

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/

[2]   وزير الخارجية: الصين تدفع بناء نوع جديد من العلاقات الدولية”، وكالة شينخوا، تاريخ النشر : 7مارس 2023

https://bit.ly/3LfgAd

[3] محمد المنشاوي ،الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية.. صفعة ثلاثية الأبعاد لواشنطن، الجزيرة نت ، 11مارس 2023

https://1-a1072.azureedge.net/politics/2023/3/11/

[4] بعد الاتفاق على استئناف العلاقات.. أول تعليق لوزيري خارجية السعودية وإيران، الجزيرة نت ، 10 مارس 2023

https://1-a1072.azureedge.net/news/

[5] الاتفاق السعودي الإيراني يزيد من تعقيد سعي إسرائيل لتطبيع العلاقات مع العرب، france 24، 11مارس 2023

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى