اقتصادية

مصر من الازمة الروسية الأوكرانية

بقلم :  د . أحمد عاشور

إن الصراع بين روسيا وأوكرانيا ليس مجرد حرب او نزاع سياسي  أنما تمتد التداعيات إلى ما وراء حدود روسيا وأوكرانيا.‎، وتعد روسيا قوة عالمية للسلع الأساسية والإقتصاد الروسي أكثر مرونة وأقل إعتمادًا ‏على الغرب مقارنة بعام 2014 عندما فرضت عقوبات في أعقاب ضم شبه جزيرة ‏القرم، ‏ فهي تمس جميع دول العالم ومنطقة الشرق الأوسط و تتأثر مصر من عدت جوانب ‏ نظرا للإرتفاع الكبير في أسعار البترول والغاز، وهو ما سيؤدى بالضرورة ‏إلى إرتفاع أسعار النقل والإنتاج بالنسبة لجميع السلع سواء الصناعية أو الزراعية والحيوانية لجميع الدول وخاصة بالنسبة للدول ‏النامية. وقد تستفيد الدول العربية المصدرة للبترول والغاز، وكذلك إيران، ولكن ما ستحصل عليه ربما يكون أقل من الزيادات في أسعار ‏المواد الغذائية والسلع الأخرى التي تستوردها.

أسعار القمح والسلع

تشير التوقعات أن معدل التضخم في مصر سيستمر في الإرتفاع خلال الفترة المقبلة، نتيجة إرتفاع أسعار المواد الغذائية عالميًا وأسعار النفط، مما يتعين تعديل التوقعات بشأن التضخم السنوي للعام الحالي، وسجلت أسعار القمح أمس أعلى مستوى لها منذ عام 2008، في ظل المخاوف المتصاعدة من حدوث نقص عالمي في الإمدادات، وفقًا لما ذكرته وكالة بلومبرج،ومصر هي أكبر مشترٍ للقمح في العالم، وتشير بيانات وزارة الزراعة الأمريكية أن روسيا كانت أكبر مورد للقمح إلى مصر في الموسم الماضي، وتسيطر روسيا وأوكرانيا على نحو 29% من تجارة القمح العالمية، وفقًا لبياناتCNBC[1]، وتسببت الحرب في توقف إمدادات القمح عالميًا مما رفع أسعاره، وتتوقع بل[2]ومبرج أن تكون أسعار القمح في سبيلها لتسجل إرتفاع قياسي بنسبة 40%، وهو أعلى مستوى منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا وقيام الولايات المتحدة وأوروبا بفرض عقوبات شاملة على موسكو وألغت مصر مناقصتين لشراء القمح من الخارج بعد أن إرتفعت ‏الأسعار بقيمة وصلت 80 دولارًا للطن، مقارنة بقبل بداية الحرب ‏،وتعول مصر على بداية موسم القمح المحلي الذي سيبدأ في منتصف ‏الشهر المقبل‎ مع المخزون المصري من القمح الذى يكفى الى 5 أشهرمع بعض القرارت التي قامت بها الدولة للسيطرة علي إرتفاع الأسعار منها وزارة التجارة والصناعة بمنع تصدير عدد من المحاصيل المتمثلة في الفول ، العدس ، القمح ، الدقيق ، المكرونة لمدة 3 أشهر وقامت وزارة التموين والتجارة الداخلية بضخ كميات كبيرة للسلع الأساسية في المجمعات واعتزام وزارة التموين بتحديد سعر الخبز السياحي  للحد من إرتفاع الأسعار وتأثيرها علي المواطن المصري.

قطاع الطاقة

وستدعم زيادة أسعار البترول عالميًا بعد إندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، التضخم للإرتفــــــاع في مصر خلال الفترة المقبلة وستظل التداعيات المباشرة وغير المباشرة للأزمة الحالية على ســلة الغذاء تلقي بظلال من الشك على توقعات التضخم المحلي، بالإضافة إلى أن بيــئة أســـــعار النفط الحـــــالية والتوقعات على المــــدى القريب ستدفع لجنة تسعير سلع الوقود إلى زيادة الأسعار، وتشـــير التوقعات  الى أن ترتفع أسعار الوقود في مصر خلال إجتماع اللجنة في مارس الجاري، مما يزيد من الضــــغوط التضخمية، وقفزت أسعار البترول عالميًا إلى مستويات كبيرة لم تشهدها منـــــذ سنـــوات، وأغلق خام القياس برنت أمس عند 118.1 دولار للبرميل، في حين تقدر موازنة مــــصر برميــــل النفط عند 60 دولارًا، وكانت الحكومة قررت رفع أسعار الوقود الشهر الماضي مع تزايد إرتفاع أسعار البتــرول عن المقدر له في الموازنة العامة، قبل بداية الحرب الروسية الأوكرانية ولكن وقد يحد من هذا الضرر إرتفاع أسعار صادرات مصر من الغاز والصادرات البترولية ‏التي وصلت إلى نحو 12,9 مليــار دولار خلال عام ‏‏2021‏‎ ‎.

سعر الفائدة

إن الســــــياسة النقدية في العـــــــالم تتجه نحــــو التشــــديد (رفع الفائدة)، حيث قام (البنك المركزي الأمريكي) ‏برفع أسعار الفائدة 0.25% خلال إجتماعه، الأربعاء مشيرًا إلى أن الأزمة الحــالية ستدفع بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى اختيار المزيد من الزيادات التدريجية والصغيرة في أسعار الفائدة وعــادة ما تحذو البنوك المركزية حول العالم حذو الاحتياطي الفيدرالي في حال رفع أو خفض الفائدة،  وتشـير التوقعات  الى أن البنك المركزي المصري يتجه إلى رفع أسعار الفائدة على أن يبدأ البنك بزيادة اسعار الفائدة 0.5% [3]خلال الأسبوع المقبل  وسيستمر إرتفاع أسعار الفائدة خلال2022 في ظل التــــوقعات بإرتفاع التضخم نتيجة إستمرار زيادة أسعار السلع عالميًا وتأثيرها على السعر المحلي وتلـــجأ البنوك المركزية عادة إلى رفع سعر الفائدة في أوقات زيادات التضخم، لاحتواء أثر هذه الزيادة .

التجارة والاستثمار

إن الإستثمار والتجارة مع روسيا أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى نتيجة التوترات والعقوبات المفروضة عليها، حيث أن مصر بدأت تنويع أسواق إستيراد الحبوب، لكن هذا سيكون مكلفًا في ظل توقعات أن تبقى الأسعار العالمية وتكاليف الشحن مرتفعة ، وستواجه الصادرات المصرية إلى روسيا حواجز مالية، فضلًا عن تأثير العقوبات على الإستهلاك والمعنويات إتجاه السلع المستوردة مرتفعة الثمن مع إنهيار عملة الروبل الروسي. وبلغ إجمالي صادرات مصر السلعية لروسيا 406 ملايين دولار في 2020، ومثلت الفواكه والخضروات 82% من هذه السلع، فيما بلغت واردات مصر 2.5 مليار دولار ويمثل القمح 65% منهم. إن روسيا ليست أحد المصادر الرئيسية للإستثمار الأجنبي المباشر ‏في مصر، لكن من المتوقع أن يتأثر مشروعين إستثماريين ‏إستراتيجيين، وهما محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية ‏الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس‎.‎

 

القطاع السياحة

كما سيواجه قطاع السياحة تحديات كبيرة، حيث إن السياحة الأوكرانية تمثل أهمية بالنسبة للأسواق الوافدة لمصر خصوصًا في سنوات ٢٠١٧، و٢٠١٨ و٢٠١٩، ومع تواجد الأوكراني بدأت الجنسيات الأخرى تتزايد على السوق المصري وتتنوع هذه الجنسيات، ما بين الإنجليز والألمان، والتشيك والمجر، وغيرهم، وأصبح تواجد الأوكراني أقل بالنسبة للمجموع، فبعد أن كانوا يمثلون ٢٥٪ مع زيادة الجنسيات الأخرى تراجعت هذه النسبة إلى 3- 5٪. أنّ السياحة الروسية والأوكرانية تمثل ما بين ٦٠ و٦٥٪ من حجم الأسواق الوافدة إلى مصر، في الفترة الأخيرة، وبعد توقف السياحة الروسية عام ٢٠١٥، وأعقبها الإنجليزية والألمانية والفرنسية، والإيطالية، لم يتوافد على المقصد المصري سوى السوق الأوكراني الذي كان يتوافد بأعداد كبيرة ولم يتوقف هذا التوافد في فترة أزمة فيروس كورونا، بالرغم من أنه الأقل إنفاقًا، لكنه كان الداعم الأكبر لنا، تداعيات  الأزمة ربما تكون فادحة، وأن الفترة المقبلة قد تكون قاسية على المقصد السياحي المصري، فالتأثيرات السلبية واردة وبشكل كبير لذا يتطلب هذا أن يقوم القطاع السياحي بوضع إستراتيجية عاجلة وواضحة المعالم للعمل في أسواق بديلة والسوق الشرق أوسطية وسوق جنوب شرق آسيا والسياحة الدينية والثقافية، وهذا يتطلب توفير خطوط طيران تعمل في هذه البلدان.

التقارير الدولية

جاي تقرير [4]صندوق النقد الدولي على أن تواجه منطقة اﻟﺸﺮق الأوسط وﺷﻤﺎل إﻓﺮﻳﻘﻴﺎ آثارا متوالية فادحة من إرتفاع أسعار الغذاء والطاقة وضيق الأوضاع المالية العالمية. وبالنسبة لمصر تأتي 80% من وارداتها من القمح من روسيا وأوكرانيا، كما أنها مقصد سياحي يحظى بإقبال كبير من كلا البلدين، وسوف تشهد كذلك انكماشا في نفقات زائريها.

كما جاء أيضا تقرير البنك الدولي [5] أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مُعرضة لتداعيــــات سلبية عنيفة وخطيرة بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا. خصوصـــــــاً وأن تلك المنطقة تُعد أحــد جيـــــران أوكرانيا، ولا تفصـــــلها عنها سوى مسافة تبلغ قرابة ألف كيلومتر. وبالفعل، بدأت خلال الأيام المـــاضية، مــــــوجة من هروب الدولار من الأسواق الناشئة في إطار خروج عدد كبير من المستثمرين من أسواق المنطقة. وأوضـــتح البنك الدولي أن بعض بلدان المنطقة أيضاً قريبة جداً من أوكرانيا وروسيا، كشركاء تجاريين. وبالتالي، فإن آثــــار الأزمة ستـــكون ملمـــوسة، وإن كـــانت بدرجــــات متفاوتة على إقتــــصادات الشرق الأوسط وشــمال أفريقيا، لـــكن سيـــكون لها تبعات سلبية مُضــاعفة على مستـــويات الأمن الغذائي والرفاه عبر أرجاء المنطقة، فضلاً عن جائحة كورونا، وتعطل سلاسل الإمداد، ومشكــــــــلات داخلية تخص كل بلد من بلدانها. وعلى هذا النسق، لخص البنك الدولي، القنوات الرئيــسة لتأثير الأزمة في 5 فئات، الأولى تتمثل في صدمات أسعار الغذاء لا سيما القمح، والثانية تتمثل في زيادات أســــــعار النــفط والغاز، وما لهذه الأزمة من تداعيات سلبية عنيفة على التضخم. فيما تتمثل الفـــئة الثالثة والأهم، في عزوف المـــستثمرين عن المخاطر وجنوحهم إلى الإستثمارات الآمنة، الأمر الذي قد يؤثر على تدفقـات رؤوس الأموال الخاصـــة على الأسواق الصاعدة ككل. وتتمثل الفئة الرابعة في تأثر تحويلات المغتربين وتراجعها بنسب قوية، ما يؤثر على ميزانيات غالبية دول المنطقة، والخامســــــة في تأثر السيـــاحة وتراجع عائداتها بنسب كبيرة خلال الفترة المقبلة.

وعلية نري اللآتي:

مصرتسطيع تخطى الأزمة الحالية بعده إجراءات رشيدة على أسس علمية صحيحة وهى كالتــــالي :

أولاً: بالنسبة إرتفاع أسعار القمح والسلع الأساسية :

  • التوسع في إستصلاح الآراضي الصحراوية و زراعة مساحة كبيرة من القمح والسلع الأساسية ومصر بدأت في إستصلاح نحو 300 الف فدان بتوشــكى  حتى الوصــــــول الى مساحة3 مليون فدان مما يساهم على المدى البعيد بالوصول إلى الإكتفاء الذاتي من السلع الأساسية وعلى المدى القريـــب بتقليل نسبة الإستيراد .
  • قرب موسم الحصاد الخاص بالقمح سوف يساهم بشكل كبير بزيادة معدل المخزون الإحتياطي إلى 9 اشهر .
  • إعتزام وزارة التموين والتجارة الداخلية بتحديد سعر الخبز السياحي سوف يساهم بشكل كبيرفي وقف إرتفاع أسعار الخبز.
  • إحكام الرقابة الداخلية بمنع الإحتكار.

ثانياً: أسعار الطاقة

  • زيادة صادرات مصر للغاز مع إرتفاع سعر يساهم بتقليل الفجوة بين إرتفاع سعر البترول .
  • تحفيز إستخدام الغاز بديلاً المواد البترول (البنزين -والسولار) للمصانع الكبرى ووسائل النقل .
  • إستخدام الطاقة النظيفة (الطاقة الشمسية و طاقة الرياح) .
  • توسع وزارة البترول في طرح مزيد من المناطق للإستكشاف للشركات الأجنبية والوطنية .

 

ثالثاً: أسعار الفائدة

  • قيام البنك المركزي برفع سعر الفائدة تدريجياً لإمتصاص آثار التضخم .

رابعاً: السياحة

  • وضع إستراتيجية عاجلة وواضحة المعالم للعمل في أسواق بديلة .
  • توجه نحو السوق ‏الشرق أوسطية وسوق جنوب شرق آسيا .
  • الترويج للسياحة الدينية والثقافية.
  • ‏توفير خطوط طيران تعمل في تلك البلدان المستهدفة.‏

خامساً: الإستثمار

  • الشراكة مع القطاع الخاص في المشروعات .
  • زيادة الحوافز الضريبة للمستثمر .
  • زيادة حجم الشركات الدولية .

سادساً: السياسة المالية

  • إعفاءات ضريبة للمشروعات
  • إدماج الإقتصاد غير الرسمي الى الإقتصاد الرسمي مما يساهم زيادة حجم الناتج
  • تثبيت سعر الدولار الجمرك

سابعاً: الحماية الإجتماعية

  • زيادة حجم الدعم للفئة الأكثر احتياجاً.
  • التوسع في دعم الآسر الأكثر تضرر من إرتفاع الأسعار.
  • توفير السلع بسعر مناسب
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] https://www.cnbc.com/quotes/BYAN.JK

[2] https://www.bloomberg.com/middleeast

[3] https://arabic.cnn.com/business/article/2022/03/18/interest-rates-egypt

[4] https://www.imf.org/ar/News/Articles/2022/03/15/blog-how-war-in-ukraine-is-reverberating-across-worlds-regions-031522.

 

[5] https://blogs.worldbank.org/ar/voices/drwrt-thrk-alaqtsadat-alnamyt-alan-ltkhfyf-athr-alsdmat-alnajmt-n-alsra-fy-awkranya

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى